الغزالي

73

التبر المسبوك في نصيحة الملوك

أشغالهم رياء ، يستصغرون كبار ذنوبهم ويستعظمون صغار ذنوب غيرهم . قال سفيان : لا تصحب السلطان ، وإيّاك وخدمته ؛ لأنك إن كنت له مطيعا أتعبك ، وإن خالفته قتلك وأعطبك . حكاية : يقال إن يزدجرد شهريار دخل على والده في وقت لم يكن لأحد إذن في الدخول ، فقال شهريار لبهرام : امض واضرب الحاجب الفلاني ثلاثين خشبة واطرده عن الدركاه وأقم عوضه فلانا الحر . وكان عمر يزدجرد يومئذ ثلاث عشرة سنة ، فعزل ذلك الحاجب الأول عن الباب . فعاد يزدجرد في بعض الأيام وأراد أن يدخل على والده شهريار فجعل الحاجب يده في صدره وردّه على عقبه وقال : إن عدت ورأيتك هاهنا ضربتك ستين خشبة ، ثلاثين لأجل الحاجب المعزول وثلاثين لئلا تعود تدخل على الملك في غير وقت الإذن وإن كنت ولده ؛ لئلا تجلب إلي الضرب والهوان والطرد . وأصلح الأشياء للملك أن لا يباشر الأسباب بنفسه ، ويحفظ ناموسه ؛ لأن كثيرا من الأرواح يتعلّق بروحه وصلاح الرعية في حياته . وكذا ينبغي أن لا يجور على نفسه ولا يجور على الناس . ولا ينبغي للملك أن يجازف في الأشغال ولا يتساهل فيها . ويجب عليه أن ينيم على فراشه كل ليلة غيره ، ويتحوّل بنفسه عن ذلك الموضع ، حتى إذا قصده عدوّ لإتلاف نفسه وجد في مكانه غيره فلا تصل يد عدوه إليه كما جاء في الحكاية : حكاية : يقال إنه انهزم خسرو بن أبرويز من بهرام جور ، وقال : هربت ، وإن كان هربي عيبا لأخلص بهربي أرواح جماعة من أصحابي ، لأني إن هلكت هلك بسببي ألوف من الخلائق . والمقصود من المقال أن زماننا هذا غير موافق ، والناس فيه بين قبيح الفعل وعاقل ، والملوك مشغولون بالدّنيا وحب المال ، ولا يجوز الإهمال والتغافل بين أناس السوء . وفي أمثال العرب « العبد يقرع بالعصا ، والحرّ تكفيه الإشارة » وهذا المثل يضرب في من له أصل ومن لا أصل له . وقد كان للناس وقت وزمان يؤمن فيه رجل واحد جميع أهل الدّنيا ، ويسخرهم بدرة كان يحملها على عاتقه ، وهو عمر بن